الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

209

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقوله : كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ في موضع الحال من أَمْرُنا باعتبار الإخبار عنه بأنه كلمة واحدة ، أي حصول مرادنا بأمرنا كلمح بالبصر ، وهو تشبيه في سرعة الحصول ، أي ما أمرنا إلا كلمة واحدة سريعة التأثير في المتعلّقة هي به كسرعة لمح البصر . وهذا التشبيه في تقريب الزمان أبلغ ما جاء في الكلام العربي وهو أبلغ من قول زهير : فهن ووادي الرسّ كاليد للفم وقد جاء في سورة النحل [ 77 ] وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ فزيد هنالك أَوْ هُوَ أَقْرَبُ لأن المقام للتحذير من مفاجأة الناس بها قبل أن يستعدوا لها فهو حقيق بالمبالغة في التقريب ، بخلاف ما في هذه الآية فإنه لتمثيل أمر اللّه وذلك يكفي فيه مجرد التنبيه إذ لا يتردد السامع في التصديق به . وقد أفادت هذه الآية إحاطة علم اللّه بكل موجود وإيجاد الموجودات بحكمة ، وصدورها عن إرادة وقدرة . واللمح : النظر السريع وإخلاس النظر ، يقال : لمح البصر ، ويقال : لمح البرق كما يقال : لمع البرق . ولما كان لمح البصر أسرع من لمح البرق قال تعالى : كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ كما قال في سورة النحل [ 77 ] إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ . [ 51 ] [ سورة القمر ( 54 ) : آية 51 ] وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 51 ) التفت من طريق الغيبة إلى الخطاب ومرجع الخطاب هم المشركون لظهور أنهم المقصود بالتهديد ، وهو تصريح بما تضمنه قوله : أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ [ القمر : 43 ] فهو بمنزلة النتيجة لقوله : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ إلى كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ القمر : 49 ، 50 ] . وهذا الخبر مستعمل في التهديد بالإهلاك وبأنه يفاجئهم قياسا على إهلاك الأمم السابقة ، وهذا المقصد هو الذي لأجله أكد الخبر بلام القسم وحرف ( قد ) . أما إهلاك من قبلهم فهو معلوم لا يحتاج إلى تأكيد . ولك أن تجعل مناط التأكيد إثبات أن إهلاكهم كان لأجل شركهم وتكذيبهم الرسل . وتفريع فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ قرينة على إرادة المعنيين فإن قوم نوح بقوا أزمانا فما أقلعوا عن إشراكهم حتى أخذهم الطوفان بغتة . وكذلك عاد وثمود كانوا غير مصدقين بحلول العذاب